جديد الأخبار
12-22-2009 11:38 AM

الكتابة عن السياحة والآثار في هذا الوطن الكبير أمر يدعو للفرح وللحزن في آن معاً. أما الفرح فهو بسبب ما أنعم الله به على هذه البلاد العظيمة من المكانة والأهمية والشهرة والظروف التاريخية المفصلية تمثلت في مسيرة الحضارات والأمم والشعوب التي تعاقبت عليها منذ عصر الإنسان الأول وحتى الآن, وأصبحت في يومنا الحاضر من أهم المعالم السياحية والكنوز التراثية على مستوى العالم العربي, بل وعلى مستوى العالم بأسره. أما الأمر المحزن والمؤلم وسط هذا التراث الإنساني المهم والموروث الحضاري العريق الذي تحظى به هذه الأرض الفريدة فنتيجة للغياب ـ أو التغييب ـ الكبير الذي مورس ضد هذا القطاع الحيوي والتنموي المهم, حيث لم يُدرج بعد في خطط التنمية الحقيقية, فضلاً عن فكر وعقل الإنسان السعودي بمستوياته المختلفة.
زرت كثيرا من البلدان العربية والأجنبية التي تهتم بمجالي السياحة والآثار, وتعتمد في دخلها القومي على المردود الاقتصادي الكبير العائد من ذلك الاهتمام, ولكنني أستطيع القول وبكل أمانة وصدق ومسؤولية إن المقومات السياحية والكنوز التراثية التي تزخر بها كل المناطق على امتداد الوطن الكبير لا نظير لها على الإطلاق بين كل دول العالم.
وحتى لا أبدو متشائماً أو حزيناً من الوضع البائس والمزري الذي يواجه الصحوة المتأخرة لقطاع السياحة والآثار في وطننا, لابد من الاعتراف والإعجاب بالجهود المضنية والمثمرة التي تبذلها الهيئة العامة للسياحة والآثار بقيادة هذا الإنسان الاستثنائي الذي لم تزده العقبات والانتهاكات والترصدات والجبهات إلا إصراراً وعناداً وتصميماً. سلطان بن سلمان في طريقه ـ بعون الله ومساندة المخلصين لهذا البلد ـ لوضع هذا الوطن الكبير على صدر خارطة السياحة والآثار العالمية.
ما شاهدته قبل عدة أيام من كنوز أثرية ومعالم سياحية في المدينة المنورة والعلا ومدائن صالح شيء غاية في الإبهار والفخر والدهشة. ففي المدينة المنورة مخزون هائل من المواقع الإسلامية والمعالم السياحية بحاجة إلى إعادة اكتشاف وتسليط الإعلام بوسائله المتعددة على تلك المعالم والكنوز كالحرة الشرقية والغربية اللتين تتكونان من صخور بركانية تخترقها العديد من الأودية, والجبال والجماوات كجبل أحد وثور, والبساتين الخضراء المنتشرة هنا وهناك, ومحطة سكة حديد الحجاز التي بنيت في العهد العثماني ومازالت ماثلة للعيان في الكثير من محطاتها, والمساجد الكثيرة كمسجد قباء والمساجد السبعة, وثنية الوداع, والوديان كالعقيق وبطحان وقناة, والآبار كبئر فاطمة وبضاعة وغرس, هذا إضافة إلى العديد من المكتبات الوقفية والمتاحف كمتحف القرآن الكريم ومتحف سلامة رشدان للتراث ومتحف المدينة المنورة للتراث العمراني ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. وعلى بعد 370 كيلو متراً من المدينة المنورة في اتجاه الشمال تبرز \"العلا\" وهي الاسم الحديث لوادي القرى الذي ورد ذكره كثيراً في كتب التاريخ, أو عروس الجبال كما يحب أن يطلق عليها أهلها, أو عاصمة التراث كما يُشير لها علماء الآثار, وهي بحق أعجوبة فريدة من عجائب الدنيا, وقد تم تسجيلها كأول موقع تراثي سعودي ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو وذلك عام 2008, وهي موطن جميل بثينة شاعر الغزل العذري الشهير, وتحوي العلا الكثير من المعالم السياحية والتراثية كمدائن صالح ومحطة قطار الحجاز وصخرة الفيل والبلدة القديمة والخريبة وقرح والقلعة العباسية, ولم يبالغ مطلقاً الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض حينما قال: \"لو خيرت في الإقامة بمكان لاخترت الإقامة في مدينة العلا\".
أربعة أيام رائعة ستسكن الذاكرة للأبد. وهل هناك أجمل وأغلى من التشرف بزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, والتعرف عن قرب على تلك الآثار والمواقع والأحداث التي شكلت معالم الدولة الإسلامية الأولى, هذه الأرض الطيبة ـ المدينة المنورة ـ التي انطلق منها هدي الإسلام لينتشر في كل أصقاع الدنيا.
لقد استطاعت قافلة الإعلام السياحي بنسختها السابعة والتي سيّرتها الهيئة العامة للسياحة والآثار لزيارة المعالم السياحية والكنوز التراثية لمنطقة المدينة المنورة بمشاركة عدد من كتاب الأعمدة في الصحف السعودية وبعض المصورين الفوتوجرافيين المحترفين أن تُعيدنا إلى ذلك الزمن الجميل حينما كان جميل بن معمر العذري(توفي 82هـ) أو \"جميل بثينة\", هذا العاشق النبيل الذي هام بحب بثينة وحب أرضها \"العلا\", يطوف منازل عذرة في وادي القرى يردد ـ ونحن نردد معه أيضاً ـ هذا البيت الرائع:
ألا ليتَ شعري، هلَ أبيتنّ ليلةً
بوادي القُرى؟ إني إذَنْ لَسعيد!
شكراً لقافلة الإعلام السياحي بقيادة الرائعين محمد الرشيد ويحيى آل عبود, وشكراً للهيئة العامة للسياحة والآثار على هذه الحرفية والمهارة والتنظيم والإبداع. لقد بدأت سياحتنا العالمية بـ\"العلا\", وقريباً جداً ستزدان لائحة التراث العالمي بالعديد من معالمنا السياحية وكنوزنا التراثية, ولكن قبل ذلك كله, نحن بحاجة ماسة لتجذر وقبول لهذه الثقافة ـ السياحة والآثار ـ الغائبة عنا!

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1757


خدمات المحتوى


فاضل العماني
فاضل العماني

تقييم
1.01/10 (251 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.